تفصلنا 6 سنوات عن عام 2030، العام الذي حددته الأمم المتحدة «خط نهاية» لتحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر.
وهو تذكير لنا، نحن الشركات، بأن نستجيب لدعوة الاتفاق العالمي إلى تحسين عملياتنا وتقنياتنا وأنماط استهلاكنا، لنسهم إيجاباً في عالم أكثر مساواة وعدلاً وصحة.
كما يدفعنا الاحترار العالمي وصعود الذكاء الاصطناعي (AI) إلى التحرك بسرعة أكبر وحكمة أوسع.
وفي هذا المقال، سنناقش ما هي التقنيات المستدامة، وكيف يمكننا تبنّي تقنيات أكثر تقدّماً بطريقة أكثر اخضراراً.
مستقبل رقمي وأخضر في آن
إن أفق دبي والرياض المتلألئ شاهد على مكانة العالم العربي كقوة اقتصادية. لكن مع التقدم تأتي المسؤولية. ومع تبنّي المنطقة للرقمنة، يبرز سؤال جوهري: هل يمكننا أن ننمو ليس بسرعة أكبر فحسب، بل بشكل أكثر اخضراراً؟
الجواب يكمن في التقنيات المستدامة، أي الابتكارات التي تقود التقدم الرقمي مع تقليل الأثر البيئي إلى الحد الأدنى.
وتقدّم أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر للأمم المتحدة والاتفاق العالمي بوصلة لهذه الرحلة. لنتعمّق في أبرز الأهداف بالنسبة إلى العالم العربي:
الهدف 3: الصحة الجيدة والرفاه
تسدّ منصات الطب عن بُعد مثل DoctorNow في السعودية فجوات الرعاية الصحية في المناطق النائية. فبإمكان امرأة في الأردن استشارة طبيب عبر تطبيق DoctorNow بشأن مخاوفها الصحية من دون قطع مسافات شاسعة. وبإمكان امرأة يمنية أخرى تلقّي إرشادات تغذية أساسية عبر برنامج UNICEF SMART.
وهذان مثالان فقط على كيفية سدّ الطب عن بُعد والأدوات الرقمية لفجوات الرعاية الصحية وإنقاذ الأرواح.
الهدف 4: التعليم الجيد
تتيح Noon Academy في الإمارات وصولاً ديمقراطياً إلى المعرفة، عبر تقديم دورات إلكترونية ميسورة الكلفة تصل إلى الطلاب عبر الحدود والحواجز الاجتماعية والاقتصادية.
تخيّل فتاة صغيرة في قرية ريفية مغربية تحصل على تعليم عالمي المستوى من هاتفها الذكي. هذه هي القوة التحويلية لتقنيات التعليم.
الهدف 6: المياه النظيفة والنظافة الصحية
في المناطق الجافة كالخليج، تُعدّ المياه مورداً ثميناً. وتعمل أنظمة الري الذكية مثل Netafim المطوّرة في أبوظبي على تحسين استهلاك المياه في الزراعة، والحفاظ على هذا المورد الحيوي للأجيال المقبلة. تخيّل مزارع خضراء تزدهر في الصحراء، تغذّيها أنظمة توصيل مياه دقيقة أتاحتها التقنيات المستدامة.
الهدف 9: الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية
يتيح دمج التقنيات الذكية في تطوير البنية التحتية باستخدام إنترنت الأشياء تحسين مراقبة استهلاك الطاقة، والاستفادة من البيانات، والتطبيق الفعّال للحلول الجديدة.
ويتصوّر مشروع NEOM في السعودية مدينة مستقبلية تعمل بالذكاء الاصطناعي (AI) والطاقة المتجددة، بما يمهّد الطريق أمام حياة حضرية مستدامة.
الهدف 11: مدن ومجتمعات محلية مستدامة
يركّز هذا الهدف على إنشاء مساحات خضراء وتقليل التلوث. وتتضمّن مبادرة دبي للمدينة الذكية أنظمة ري ذكية ومركبات كهربائية، بما يعزّز الاستدامة البيئية داخل المشهد الحضري.
الهدف 17: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف
نحن في هذا معاً! فتبنّي التقنيات المستدامة لا ينبغي أن يكون جهداً فردياً، بل جهداً جماعياً عبر تعزيز التعاون المسؤول بين الحكومات والشركات والمنظمات غير الحكومية.
ويوفّر الاتفاق العالمي للأمم المتحدة منصة لهذه الجهات للتعاون في مشاريع تدعم أهداف التنمية المستدامة، ما يضاعف أثر الجهود الفردية.
تعريف التقنيات المستدامة
التقنيات المستدامة ليست مجرد أحدث الأجهزة، بل هي الجسر بين تقدّم الإنسان والرفاه البيئي. وعلى خلاف نظيراتها الشرهة للموارد والبيانات، تقدّم التقنيات المستدامة حلولاً مثل:
- الحوسبة السحابية: يمكنك تقليل بصمتك من الخوادم المادية وبصمتها الكربونية عبر الحلول السحابية. تخيّل مراكز بيانات تعمل بالطاقة المتجددة، وتؤدي عملها بكفاءة خلف الكواليس في عملياتك الرقمية.
- المحاكاة الافتراضية: يمكنك تشغيل تطبيقات متعددة على خادم واحد، بما يعظّم كفاءة الموارد ويقلّل الحاجة إلى العتاد. تخيّل بنية تقنية أخفّ وأكثر اخضراراً، توفّر الطاقة وتقلّل النفايات الإلكترونية.
- إدارة الطاقة بالذكاء الاصطناعي: بات بإمكانك الاستثمار في مبانٍ تتعلّم وتتكيّف، وتحسّن استهلاكها للطاقة بقوة الذكاء الاصطناعي. تصوّر منظمات حرارة ذكية تضبط نفسها، وأنظمة إضاءة تخفت تلقائياً، بناءً على احتياجات المبنى والبيئة المتغيرة باستمرار.
لكن مع القوة التقنية الكبيرة تأتي مسؤولية كبيرة. علينا تبنّي المسؤولية الرقمية، وضمان أن تخدم التكنولوجيا لا أن تضر. وهذا يعني اعتماد المسؤولية الرقمية للشركات: تقليل النفايات الإلكترونية، وإعطاء الأولوية لخصوصية البيانات، وتعزيز الذكاء الاصطناعي الأخلاقي.
أفضل الممارسات لتقنية أكثر اخضراراً
والآن، لننتقل إلى الجانب العملي. إليك كيف يمكن للشركات في العالم العربي أن تجعل تقنياتها أكثر اخضراراً:
تبنّ السحابة
الانتقال إلى السحابة يقلّل بنيتك التحتية المادية وما يرتبط بها من بصمة كربونية. اعتبرها استبدالاً للخوادم الشرهة للطاقة بسيارة كهربائية أنيقة لاحتياجاتك الرقمية.
أدر استهلاك السحابة
داخل السحابة، اضبط الإعدادات لإيقاف الأجهزة غير النشطة تلقائياً وتحسين استغلال الخوادم.
عالج البيانات المهملة
نظّف البيانات غير المستخدمة. احذف الملفات القديمة، وحسّن قواعد البيانات، وحرّر مساحة التخزين. تذكّر أن البيانات المهملة تستهلك الطاقة حتى وهي قابعة تجمع الغبار الرقمي.
طبّق الاستدامة عملياً
فعّل إعدادات توفير الطاقة على الأجهزة، وانتقل إلى برمجيات موفّرة للطاقة، وفكّر في تغليف صديق للبيئة. فكل بايت موفّر يترجم إلى بصمة أكثر اخضراراً.
اختر شركاء خضراً
اختر مزوّدين ملتزمين بالاستدامة، وأعطِ الأولوية لمن لديهم سياسات طاقة متجددة وممارسات مسؤولة في إدارة البيانات.
اكتب شيفرة أكثر كفاءة
بسّط برمجياتك للتخلص من النصوص والعمليات الزائدة، بما يقلّل استهلاك قدرة المعالجة.
خزّن بذكاء
اختر حلول تخزين موفّرة للطاقة، مثل أقراص الحالة الصلبة (SSD)، وتجنّب تكديس البيانات لتقليل استهلاك الطاقة.
استفد من المحاكاة الافتراضية للخوادم
شغّل تطبيقات متعددة على خادم واحد، بما يقلّل متطلبات العتاد والطلب الإجمالي على الطاقة.
وظّف الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء
حسّن استهلاك الطاقة: طبّق أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تحلّل استهلاك الطاقة في المباني والمنشآت وتحسّنه.
تخلّ عن الورق
اعتمد سير عمل رقمي وأنظمة لإدارة المستندات لتقليل استخدام الورق والانبعاثات المرتبطة بالطباعة.
الخلاصة
يقف العالم العربي على أعتاب تحوّل تاريخي. فباستثمار قوة التقنيات الرقمية بمسؤولية وإعطاء الأولوية للاستدامة، تستطيع المنطقة لا أن تدفع نفسها نحو النمو الاقتصادي فحسب، بل أن تضمن أيضاً مستقبلاً مزدهراً وعادلاً ومسؤولاً بيئياً.
فلنغتنم هذه الفرصة، ونتشارك تجاربنا، ونلهم بعضنا بعضاً لبناء مستقبل رقمي أكثر اخضراراً للعالم العربي وما بعده.