تفرض الوتيرة المتسارعة للتطور التقني تحدياً كبيراً على الشركات في مختلف مجالات الأعمال، بما يشمل الأمن والتمويل والموارد البشرية.
والمترددون في مواكبة هذه الموجة التحويلية يخاطرون بالتخلّف عن الركب، فيما يتعيّن على المؤسسات ذات الرؤية الاستشرافية أن تستثمر بشكل جوهري في مواردها، لا لتبقى متقدمة على المنافسين فحسب، بل لترسّخ موقعها كخيار مفضّل لدى قاعدة عملائها المتطلبة.
وفي هذه المدونة، سنستعرض الاتجاهات التقنية الستة الأهم التي ينبغي للشركات توظيفها استراتيجياً لضمان عام 2024 مزدهر وما بعده.
أبرز 6 اتجاهات تقنية لعام 2024
في خضم العصر الرقمي، نجد أنفسنا وسط تدفق متواصل من الاختراقات التقنية، كل واحدة أكثر تحويلية من سابقتها. وأفضل طريقة للتعامل مع هذه التغيرات ليست قبولها فحسب، بل فهمها فهماً عميقاً من الأساس.
وبخبرة تتجاوز عشر سنوات وعمل وثيق ومنتظم مع شركات كبرى، فإن Eurisko في موقع يؤهلها لرصد الاتجاهات وتقديم المشورة بشأن أفضل الممارسات. ويضيف مكتبنا في Silicon Valley إلى قدرتنا على البقاء في صدارة ما يجري في عالم التقنية.
أبرز 6 اتجاهات تقنية لعام 2024
- الذكاء الاصطناعي التوليدي
- الحوسبة المكانية
- الميتافيرس الصناعي
- إنترنت الأشياء
- تحويل الواقع إلى بيانات
- نموذج انعدام الثقة
الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI)
الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي دفعته الضجة حول ChatGPT إلى دائرة الضوء، بات على الأرجح مفهوماً مألوفاً لدى كثير من الشركات. لكن لماذا هو الاتجاه الأبرز في 2024؟
الذكاء الاصطناعي التوليدي، أو GenAI، فرع من الذكاء الاصطناعي يركّز على قدرة الآلات على إنشاء محتوى جديد، سواء كان نصاً أو صوراً أو موسيقى أو أشكالاً أخرى من الوسائط. وجوهرياً، تتفوّق هذه التقنية في تعلّم الأنماط والأساليب والبنى من البيانات القائمة، ثم توليد محتوى يحاكي هذه الأنماط المتعلَّمة أو يبني عليها. ومع اتساع التبنّي، تحكم الشركات الاستشرافية هذه الأنظمة عبر أطر معترف بها مثل إطار NIST لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي.
وإليك الأسباب الأساسية التي تجعل كل شركة تفكّر في تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي:
إنشاء المحتوى آلياً
يؤدي تبنّي إنشاء المحتوى آلياً إلى إنتاج كمية أكبر وجودة أفضل من المحتوى في أوقات أقصر. وتترجم هذه الكفاءة إلى خفض تكاليف العمالة، ما يتيح لأقسام التسويق العمل بإنتاجية أعلى وميزانيات أكثر رشداً.
وفي مجالات مثل التصميم والعمارة وتطوير المنتجات، تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي دوراً محورياً عبر توفير الإلهام والزوايا الجديدة، ما يعزّز الابتكار داخل الشركات العاملة في هذه القطاعات.
رفع الكفاءة في البحث والتطوير
في قطاعات مثل الأدوية وعلوم المواد، يؤدي الذكاء الاصطناعي التوليدي دوراً حاسماً في تسريع عملية البحث والتطوير. فمن خلال التحليل الفعّال لمجموعات بيانات ضخمة واقتراح حلول محتملة، يسرّع اكتشاف أدوية أو مواد أو تركيبات جديدة. ولا تسهم هذه الكفاءة المرتفعة في تسريع الوصول إلى السوق فحسب، بل توفّر أيضاً ميزة تنافسية.
تجربة عملاء مخصصة
يؤدي الذكاء الاصطناعي التوليدي دوراً محورياً في تشكيل تجارب مخصصة للعملاء عبر تحليل بياناتهم، ما يتيح محتوى وتوصيات مصممة على المقاس. وفي مجال التجارة الإلكترونية، توظّف الشركات النماذج التوليدية لصياغة توصيات منتجات مخصصة، ما يرفع تفاعل العملاء ورضاهم.
وعبر قطاعات متنوعة مثل المصارف والتمويل والسفر والفعاليات والتعليم، تبرز روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي كأدوات حوارية قوية. فهي تجيب عن الاستفسارات وتوفّر المعلومات وتحتسب الخطط المالية وتعالج الشكاوى، من دون حاجة إلى تدخل بشري.
تحسين اتخاذ القرار
يثبت الذكاء الاصطناعي التوليدي فاعليته في تحسين عمليات اتخاذ القرار عبر تقديم رؤى وتوصيات قائمة على البيانات. ففي قطاعات مثل التمويل، حيث يكون التحليل الدقيق للبيانات أمراً جوهرياً، تتفوّق هذه النماذج في تفحّص اتجاهات السوق وتقييم المخاطر واقتراح استراتيجيات الاستثمار. وبفضل مخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي الدقيقة، تستطيع الشركات اتخاذ قرارات أكثر استنارة، بما يسهم في التميز التشغيلي عموماً.
الحوسبة المكانية والميتافيرس الصناعي
تقوم الحوسبة المكانية على دمج المعلومات الرقمية في العالم المادي، بما يخلق تجارب غامرة وتفاعلية. وهي توظّف تقنيات الواقع المعزز (AR) والواقع الافتراضي (VR) لتعزيز إدراك الإنسان للبيئة المحيطة به.
أما الميتافيرس الصناعي، فيوسّع هذا المفهوم إلى البيئات الصناعية، إذ يخلق فضاءً افتراضياً تتعايش فيه العناصر المادية والرقمية بسلاسة. وتتيح هذه المنظومة الرقمية المترابطة محاكاة سيناريوهات العالم الحقيقي وتحسينها، ما يعزّز الابتكار في التدريب وسير العمل والتعاون.
الفوائد التجارية للحوسبة المكانية والميتافيرس الصناعي:
- التقنية، الفائدة، والمثال.
- الحوسبة المكانية: تدريب معزّز وتطوير للمهارات في بيئة افتراضية شبيهة بالواقع. ففي الرعاية الصحية، يستطيع الجراحون التمرّن على إجراءات معقدة في بيئة محاكاة، بما يحسّن مهاراتهم واتخاذهم للقرار.
- التعاون بين أعضاء الفريق: يستطيع المعماريون والمصممون التعاون في الوقت الفعلي على نماذج ثلاثية الأبعاد، وإجراء تعديلات وقرارات فورية لتحسين عملية التصميم.
- تسهيل العمل عن بُعد: تستطيع الفرق الموزعة في مواقع مختلفة الالتقاء في قاعة اجتماعات افتراضية، بما يعزّز التواصل والتعاون.
- تصوير البيانات وتحليلها: يستطيع علماء البيانات استخدام تصورات غامرة لاستكشاف الأنماط المعقدة في مجموعات البيانات الكبيرة وفهمها، ما يقود إلى رؤى أكثر استنارة.
- الميتافيرس الصناعي (تقليل الحاجة إلى النماذج الأولية المادية): تستطيع شركات السيارات محاكاة أداء تصميم مركبة جديدة، وتحسين الديناميكا الهوائية وكفاءة الوقود قبل الإنتاج الفعلي.
- الصيانة واستكشاف الأعطال عن بُعد: يستطيع فني ميداني، مسترشداً بتعليمات الواقع المعزز (AR)، تشخيص الأعطال وإصلاحها عن بُعد في مصنع.
- وعبر توفير رؤية آنية لحركة البضائع والمواد، يستطيع مديرو الخدمات اللوجستية استخدام طبقات الواقع المعزز لتتبّع الشحنات وإدارة مستويات المخزون ورصد الاختناقات المحتملة في سلسلة التوريد.
- رفع مستوى السلامة وتقليل المخاطر في بيئة العمل: تستطيع شركات النفط والغاز استخدام محاكاة الواقع الافتراضي لتدريب الموظفين على إجراءات الاستجابة للطوارئ في حال حدوث عطل في المنشأة.
- وعبر التكامل مع مستشعرات إنترنت الأشياء، تستطيع المصانع استخدام البيانات الآنية من المستشعرات للتنبؤ بموعد حاجة الآلات إلى الصيانة، بما يقلّل التوقف ويعظّم الكفاءة.
إنترنت الأشياء وتحويل الواقع إلى بيانات
يتشابك إنترنت الأشياء (IoT) مع تحويل الواقع إلى بيانات ليعيدا رسم مشهد الاتصال والذكاء. فإنترنت الأشياء شبكة من الأجهزة الذكية تمتد من المنازل إلى بيئات صناعية شاسعة، وكل جهاز منها مزوّد بمستشعرات وبرمجيات تولّد تدفقاً مستمراً من البيانات، ما يمنح مفهوم تحويل الواقع إلى بيانات حياته.
وتعمل الأجهزة الذكية كقنوات للبيانات، إذ تترجم العالم المادي إلى لغة من البتات والبايتات. ويشكّل هذا الترابط الجوهري بين إنترنت الأشياء وتحويل الواقع إلى بيانات نقلة أساسية، تحوّل العادي إلى قابل للقياس واليومي إلى قابل للتحليل.
وتزداد عملية تحويل الأنشطة والسلوكيات والظواهر البيئية في العالم الحقيقي إلى بيانات رقمية عمقاً ودقةً مع التدفق المستمر للمعلومات من أجهزة إنترنت الأشياء.
ثلاث فوائد رئيسية من إنترنت الأشياء وتحويل الواقع إلى بيانات
- الفائدة، عبر إنترنت الأشياء وتحويل الواقع إلى بيانات.
- اتخاذ قرارات مدروسة: تولّد أجهزة إنترنت الأشياء باستمرار كميات هائلة من البيانات الآنية من مصادر متنوعة، ما يوفّر رؤية شاملة للعمليات والبيئات وسلوك المستخدمين. وبدمج البيانات الناتجة عن إنترنت الأشياء في عمليات تحويل الواقع إلى بيانات، تستطيع المؤسسات استخلاص رؤى قيّمة. ويتيح هذا الكم من المعلومات اتخاذ قرارات أكثر استنارة في مجالات متعددة.
- الكفاءة التشغيلية والتحسين: تسهّل أجهزة إنترنت الأشياء مراقبة الأصول المادية والآلات والأنظمة والتحكم بها. وهذا يقود إلى كفاءة تشغيلية أفضل، إذ تستطيع المؤسسات إدارة العمليات وتحسينها عن بُعد بناءً على بيانات آنية. ويتيح دمج بيانات إنترنت الأشياء في عمليات تحويل الواقع إلى بيانات فهماً أعمق للأنماط التشغيلية، ما يمكّن المؤسسات من تحديد مجالات التحسين والتنبؤ باحتياجات الصيانة وتبسيط سير العمل، بما يعزّز الكفاءة التشغيلية عموماً.
- تجربة عملاء أفضل: تجمع أجهزة إنترنت الأشياء في قطاعات التجزئة والرعاية الصحية وغيرها بيانات عن سلوكيات العملاء وتفضيلاتهم وتفاعلاتهم. وتساعد هذه المعلومات الشركات على تصميم منتجات وخدمات تلبي الاحتياجات الفردية. ويتيح دمج البيانات الناتجة عن إنترنت الأشياء في إطار تحويل الواقع إلى بيانات للمؤسسات إنشاء تجارب عملاء مخصصة عبر التسويق الموجّه وتوصيات المنتجات المصممة على المقاس وتحسين تقديم الخدمة.
نموذج انعدام الثقة
على خلاف المقاربات الأمنية التقليدية التي تعتمد على دفاعات المحيط، يعمل نموذج انعدام الثقة على افتراض أنه لا ينبغي منح الثقة تلقائياً لأي كيان، داخلي أو خارجي. فكل مستخدم وجهاز وتطبيق يُعامل باعتباره غير موثوق، ويتطلب تحققاً ومصادقة مستمرين عبر الشبكة بأكملها.
ويتضمّن نموذج انعدام الثقة إعادة تقييم شاملة لضوابط الوصول، حيث تصبح المصادقة عملية مستمرة تتكيّف مع سلوك المستخدم والمعلومات السياقية.
ومن المكوّنات المحورية في نموذج انعدام الثقة التعرّف البيومتري، الذي يوظّف خصائص فيزيائية أو سلوكية فريدة للمصادقة على الأفراد والتحقق منهم. ويشمل ذلك بصمات الأصابع والتعرّف على الوجه ومسح قزحية العين وأنماط الصوت وحتى ديناميكيات الكتابة. وعلى خلاف الأنظمة التقليدية القائمة على كلمات المرور، توفّر البيومترية مستوى أعلى من الأمن والراحة.
وهذا الانتقال من استراتيجية أمنية قائمة على المحيط إلى أخرى متمحورة حول البيانات يضمن دفاعاً متيناً في مواجهة التهديدات السيبرانية المتطورة في العصر الرقمي.
لماذا هذه الاتجاهات؟
التكنولوجيا في جوهرها ليست هدفاً بحد ذاتها، بل الغاية الكامنة خلفها هي ما يستحق تركيزنا ويشجعنا على توجيه مواردنا نحوه. وفي عام 2024، تدافع الشركات والمنظمات الدولية بنشاط عن المسؤولية الرقمية وتبرز فوائدها المرتبطة بها.
الاستدامة والتقنية المستدامة
مع اقترابنا من عام 2030، الموعد الذي حددته الأمم المتحدة لتحقيق أهدافها السبعة عشر للتنمية المستدامة، تتزايد المسؤولية على الشركات والمؤسسات لتبنّي تقنيات مستدامة في الإنتاج والاستهلاك معاً.
وتشمل هذه التقنيات حلولاً مبتكرة للتحديات البيئية، مثل احتجاز الكربون وتخزينه، والحوسبة السحابية الخضراء التي تركّز على خفض استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية، وتطوير تطبيقات مستدامة. ويشير التبنّي الجماعي لهذه الحلول نحو تحقيق مدن أذكى وأكثر استدامة.
المرونة السيبرانية والأمن
في عصر يتّسم بتزايد تبنّي التقنية والاتصال بالإنترنت، يتعيّن على الأفراد والجهات رفع وعيهم بالجرائم السيبرانية وتحصين أنفسهم ضد الهجمات المحتملة. وتكشف الدراسات أن شركة من كل شركتين وقعت ضحية هجوم سيبراني خلال السنوات الثلاث الماضية، وإذا استمر هذا الاتجاه فقد يقود إلى كلفة هائلة تناهز 10 تريليونات دولار على الشركات بحلول نهاية 2024.
غير أن المرونة السيبرانية تتجاوز الأمن السيبراني وحده. فهي تشمل إجراءات استباقية تهدف إلى التعافي وضمان استمرارية الأعمال بعد الاختراقات أو الظروف الخارجة عن السيطرة. وقد يتضمّن ذلك تطبيق بروتوكولات للعمل عن بُعد لضمان استمرار الأعمال في حالات لا يستطيع فيها الموظفون الوصول إلى المواقع المركزية، وهو حل تقني لا يُعدّ تقليدياً جزءاً من الأمن السيبراني.
الخلاصة
مع ختام استعراضنا لأبرز الاتجاهات التقنية للشركات في 2024، تتضح تماماً أهمية تبنّي الابتكار. فمن التآزر الإبداعي للذكاء الاصطناعي التوليدي إلى التحصينات الأمنية لنماذج انعدام الثقة، لن تكتفي الشركات التي تتكيّف مع هذه الاتجاهات بالبقاء، بل ستزدهر في المشهد الرقمي. قد تكون الرحلة صعبة، لكن العوائد بلا حدود.